صحيفة عبد الكريم الخابوري الاسبوعيه
نر حب بجميع الزوار الكرام ونر جو منكم التسجيل

صحيفة عبد الكريم الخابوري الاسبوعيه

رئيس التحرير جعفر الخابوري
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الشعب يريد تدخين السجائر!

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جعفر الخابوري
المراقب العام
المراقب العام
avatar

عدد المساهمات : 3781
تاريخ التسجيل : 16/02/2010
العمر : 48

مُساهمةموضوع: الشعب يريد تدخين السجائر!    الجمعة ديسمبر 07, 2012 9:23 pm

الشعب يريد تدخين السجائر!


محمد عبدالله محمد ... كاتب بحريني
Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com
تصغير الخطتكبير الخط


هزَّ تفجيرٌ إرهابيٌ مدينة بإحدى الدول العربية قبل سبعة أعوام. كانت الدماء تغسل أرصفة الجريمة، والغبار واطئ يحجب النظر. أشلاء اللحم البشري يفوح منه بخار الشِّواء، والناس في هرج ومرج، وقد تقطعت وتدلَّت ملابس الكثير منهم بفعل وَهَج النيران والشظايا الطيَّارة. الأرقام الرسمية حينها أشارت إلى أن التفجير خلَّف مئات القتلى والجرحى من المدنيين.

في أتون هذا الجو الرهيب، جَالَ مراسلٌ لإحدى القنوات الفضائية على المكان. صوَّر مسرح الجريمة، ولاحظ مشاهد الدَّم. ثم التقى بالمتجمهرين، الذين هالَهَم مشهد المأساة فلم يقدروا على قول شيء، حتى ظفِر بأحدهم فسأله عمَّا رأى. قال الشاهد كلاماً غريباً! قال: «لا يوجد شيء في هذا البلد! حتى السجائر غير موجودة! نريد أن ندخن سجائر»! فأشاح المصوّر بكاميرته عنه وانصرف.

لكم أن تتخيلوا، أن أحداً يأتي وسط بركة من الدماء، ليتحدث عن رغبته في التدخين! ربما ينظر البعض إلى هذا الموقف باستغراب لا حدَّ له، لكن هذا التعجب لا يكفي إذا ما وقفنا على حقيقة أن بعض البشر، وحين تتضخم لديهم الأنانية لا يرون في هذا الكون إلاّ أنفسهم. وربما كانت هذه الحالة، دالة أوليَّة على حالات أخرى، تتعاظم فيها الأنانية بأشكالها المختلفة. إنها مصيبة.

بالتأكيد، ليس الأمر متعلقاً بذلك الفرد، من ذلك البلد العربي، ولا هي سِمَة يتطبع بها ناسه، بقدر ما هي عاهة عربية أشمل وأوسع. فالعديد من الدول العربية هي منكوبةٌ سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. جوعٌ وفقرٌ وقتلٌ وانتهاكاتٌ ومظالمُ رهيبة. لكن بعضاً من الأنانيين، لا يرى كلَّ ذلك، فتراه يدلف إلى الاستمتاع بالحياة، وهو يدوس على جثث الضحايا بقدميه ويتساءل: ماذا يجري؟ لماذا كلّ هذه الجَلبَة؟ إنها حقيقة الأنانية المشوبة بالبؤس والعبودية للذة وهموم المصلحة الذاتية، حتى ولو اقتات الأغيار من البشر القِدَّ وشربوا الطَّرق.

إذا لم تكن العناوين الكبيرة للإنسانية، كالعدالة واحترام حقوق الإنسان وحفظ الكرامة والعيش بحرية ومداراة الناس والدفاع عنهم مهما كانت أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم، لا تستفز مشاعر البعض عند انتهاكها، فبأيّ العناوين التي يمكنها أن توخز مشاعرهم وتحرك لديهم الحِس الإنساني؟ هذه أنفس هامدة الأحاسيس، لا قلوب لها ولا أعين.

الحقائق والمنافع هي من الأشياء التي لا يمكن لأحد اختصارها في نفسه وعياله ومن يلُوْنَهُم في الدَّم والروح؛ لأن الأولى هي نسبية، والثانية عامة. فإذا حوَّلت النسبي إلى مطلق، والعام إلى خاص، تحوَّلت إلى ذات لا يحدها مكان، وكأنك إلهٌ معبودٌ، وهو ما ينافي العقل والمنطق والذوق تماماً.

مع شديد الأسف، فإن البعض لا يكتفي بـ «عدم المبالاة» بالآخرين، بل يتجاوزها نحو استطعام الكراهية ضد مَنْ يبالي للأشياء الكبيرة، التي استنكف الكثيرون من حملها، ومن ضمنها أولئك النفر من غير المبالين. وهي قمَّة الاستهتار، وعدم الوفاء، لأدنى المناقب التي جُبِلَ الإنسان عليها بالفطرة. إنهم لا يبالون، ويستكثرون على أصحاب الهِمَم أنهم يحملون هموم الوطن والناس.

عندما نتصفح التاريخ، نجد أن دولاً عديدة، وُجِدَ فيها مثل هذا الداء. والغريب، أن مَنْ كان يفعل ذلك، هم على شاكلتيْن غايةً في التناقض. الأولى: الطبقة الأرستقراطية والنبيلة، والثانية: هم المسحوقون الذين كانوا يعملون بنظام السُّخرة في البيوت الفارهة والحقول والغابات والبحار.

وقد لاحظ علماء الاجتماع والنفس، أن الشاكلة الأولى (الأرستقراطيين والنبلاء) كانت حياتهم المرفهة والناعمة، والعيش الرغيد، وفق نظام الامتيازات الذي توفره لهم الأنظمة التسلطية، هو الذي يدفعهم ويحرّك غرائزهم نحو المحافظة على ما بأيديهم من نِعَم وخيرات، وعدم القدرة على الإحساس بالفقراء، وبالتالي، كان الأمر بالنسبة إليهم محسوساً ومرئياً، ومفهوماً كذلك.

أما الطبقة الثانية، فقد كانت مظلومةً ومسحوقةً، وعلى رغم ذلك، فقد كانت طيِّعةً حتى في القسوة على نفسها، بقبولها ما هي عليه من ظلم متحقق! وكان التحليل المنطقي، أن الأشياء المحسوسة لدى هؤلاء، والتي من المفترض أن تنبههم إلى عدم القبول بها، قد تحوَّلت من محفزات إلى مثبطات، بحكم الاستعباد، وجعلهم يقبلون بالحياة بحد كفافها.

هذان الصنفان من البشر، عادةً ما يُوَلِّدُون مشكلةً اجتماعيةً داخل منظومة التطور الاجتماعي والسياسي، وخصوصاً للمشاريع التغييرية عند الشعوب النابهة والحيّة، المستندة إلى وعي الطبقة الوسطى، أو للتحولات الديمقراطية البطيئة، داخل القوى التنويرية الصاعدة.

والمشكلة التي لا يمكن ضبطها لاحقاً هنا، هي كيف يمكن لَجْم أي انفلات تجاه تلك الشريحة. وهي في الحقيقة ذات المشكلة التي عانت منها فرنسا خلال حقبة الإرهاب، وأيضاً خلال حرب التحرير الأميركية. وربما وُجِدَت عند الروس خلال حكم القياصرة، وعند الأيرلنديين، ودول إفريقية، اشتغل لديها حس الانتقام العرقي، بعد سنوات طويلة من سيطرة الأقلية البيضاء.

الدول، معنيةٌ بتوفير الثقافة السليمة لشعوبها، كي تساعد على اجتراح استقرار سياسي واجتماعي. ومادامت «الحياة مشكلة للحكيم وحلٌ للأحمق» كما قال الإمبراطور والفيلسوف الروماني ماركوس أوريليوس، فهذا يعني أننا في صراعٍ مع هذه الحياة، كي لا نجعلها حلاً سهلاً للحمقى ولغير المبالين، وفي الوقت نفسه لكي لا يعيش الحكماء فيها مشكلة لا تنتهي.

محمد عبدالله محمد
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3745 - السبت 08 ديسمبر 2012م الموافق 24 محرم 1434هـ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://mzmzmz.yoo7.com
 
الشعب يريد تدخين السجائر!
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
صحيفة عبد الكريم الخابوري الاسبوعيه :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: