باختصار
البحث عن المذكرات
إذا كانت زوجة رئيس تونس المخلوع زين العابدين بن علي المدعوة ليلى طرابلسي صادقة في مذكراتها التي صدرت حديثا، ولم يتسن لنا قراءتها حتى الآن، فهي قد تكون قد وظفت تاريخها وزوجها ضمن تاريخ تونس ككل، وهو المطلوب من كل شاهد مشارك في عالم السياسة أن يقدم نصا عن مرحلته كي لا تضيع المراحل عبثا بدون شهادات عليها، وقد كان عالم الدين المعروف محمد حسين فضل الله يطالب كل سياسي لعب دورا ما في بلاده كتابة مذكراته كي لا تضيع الحقائق التاريخية للمراحل كافة.
إذا طبقنا هذا المطلب على الواقع، سوف نجد حتى الآن فجوة كبرى ولو أن الوقت لم يحن بعد للتغلب عليها. فالقائد الفلسطيني ياسر عرفات الذي عرف بتسجيله ليومياته بكل تفاصيلها، والذي يعتبر شهادة على عصر مليء بالأحداث وهي ثروة بكل معنى الكلمة، فإن مذكراته وأوراقه التي كتبها لم تصبح بعد مستندا مكتوبا في كتاب لكل مؤرخ أو مهتم، والمهتمون كثر في عالمنا وعالم غيرنا. وتدور الشكوك حول القابضين عليها نظرا لخطورة بعضها وكأنهم لا يريدون نشرها أو نشر ما يجوز نشره كي لا نقع في المحظورات والمسميات .. في وقت تدور فيه الشكوك حول ما إذا تمكن صدام حسين من كتابة مذكراته، وقد لا يكفي ذلك الكتاب الذي أصدره محاميه نقلا عنه، هنالك تاريخ طويل من حكمه للعراق، وفي ظروف مصيرية. ومثله العقيد معمر القذافي الذي تعتبر حياته بمثابة دراما حقيقية نظرا لكثافة الأحداث التي خاضها أو تلك التي رمى نفسه بها. ومثله أيضا حسني مبارك الذي عايش فترات مهمة من تاريخ مصر بامتداداته التي تجاوز عشرات السنين.
ثمة صمت يغطي تواريخ شخصيات كبرى لعبت أدوارا في منطقتنا من قياديين ورؤساء ومسؤولين وسياسيين مهرة، في وقت يتسابق فيه قياديو الغرب إلى نشر مذكراتهم مجرد تركهم السلطة أو الابتعاد عنها، وهي ظاهرة صحية تعني شعبا وأمة، وتجعل من التاريخ ترابطا انسيابيا لا تتراك فيه أي فجوات صغيرة كانت أو كبيرة.
ثمة أسماء كثيرة لعبت أدوارا في دنيا العرب ولم تترك وراءها نصا بيدها، فجاء من يملأ ذاك الفراغ إما باللجوء إلى الأرشيف، فيخضع بالتالي إلى هوى الكاتب أو المؤرخ الذي قد لا يكون محايدا، وإما أن يتم التأليف نقلا عن، فيكون التشويه نتيجة حتمية. اللعب بالمذكرات خيانة لصاحبها أو للشعب الذي يمثله، وأولى بالتالي لكل ممارس للعمل السياسي والوطني والقومي وحتى الاجتماعي والاقتصادي وغيره في شكله المؤثر أن يعود إلى ذاكرته قبل أن تصاب بالنسيان، تماما مثلما فعل المرحوم أكرم زعيتر في ذكرياته الذي تعتبر يومياته التي نشرها بمثابة مرجع مهم عن مرحلة حساسة من مراحل القضية الفلسطينية.
زهير ماجد